السيد البجنوردي

203

منتهى الأصول ( طبع جديد )

الإنشاء والجعل إنّما يكون في عالم التصوّر والذهن ، وذلك بأنّه يلزم أن يتصوّر شيئا أوّلا ويحكم عليه في الرتبة المتأخّرة عن تصوّر الموضوع ثانيا ، وليس متوقّفا على وجود الموضوع خارجا . وإمكان تقدّم تصوّر الشيء على وجوده الخارجي من أوضح الواضحات ، كيف لا يكون كذلك وأنّ كلّ فعل إرادي اختياري مسبوق بالتصوّر ؟ ! وذلك لما ذكرنا من أنّ المحذور ليس هو تصوّر الشيء قبل وجوده الخارجي ، بل المحذور هو فرض وجود الشيء قبل وجوده فرضا واقعيا ، مع أنّ المفروض في هذا الفرض محال . وأعجب من هذا ما ذكره بعض المحقّقين قدّس سرّه في « حاشيته على الكفاية » « 1 » من أنّ ظرف وجود الموضوع خارجا ظرف سقوط الحكم لا ظرف ثبوته ، فتخيّل أنّ الكلام في موضوع الحكم بمعنى متعلّق الحكم ، مع أنّ كلامنا في الموضوع بمعنى متعلّق المتعلّق مثل « العالم » في قوله : « أكرم العلماء » ، وبديهي أنّ وجوب الإكرام لا يسقط بوجود العالم ، بل يثبت . نعم ، وجوب الإكرام يسقط بوجود الإكرام الذي هو المتعلّق لا « العالم » الذي هو متعلّق المتعلّق . وثانيا : بأنّ فعلية الحكم ليست متوقّفة على فعلية وجود الموضوع خارجا ، بل على فعلية فرض وجوده وتقديره في الذهن . وأنت خبير : بأنّ المراد من فعلية الحكم ليس إلّا مقام محرّكيته وباعثيته فعلا . وفي هذا المقام لا بدّ من وجود الموضوع بمعنى متعلّق المتعلّق خارجا ، فما لم يكن زيد موجودا في الخارج كيف يمكن أن يكون الأمر بنحو « يا زيد

--> ( 1 ) - نهاية الدراية 1 : 324 .